أحمد بن علي القلقشندي

79

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

من كمال الفضل ، ومأثور النّبل ، لحاذرنا انتقال ذلك بانتقال ما كنت تتولَّاه بمحمود كفايتك ، وتحوطه بنواظر نزاهتك وصيانتك ، غير أنّ اللَّه تعالى جعلك بالفضل متقمّصا ، وبالمحامد متخصّصا ، فالأسف فيما تنظر فيه عليك لا منك ، والفائدة فيما تتقلَّده بك لا لك ، ولذلك كنت بالصّرف مهنّأ مسرورا ، كما كنت في الولاية محمودا مشكورا ، فلا أخلاك اللَّه من تواصل آلائه ، وتظاهر نعمائه ، في سائر ما تبرمه وتمضيه ، وتعتمده وترتئيه . أبو الحسين بن سعد - عمّن تولَّى عملا إلى من صرف عنه : قد قلَّدت العمل بناحيتك ، فهنأك اللَّه تجديد ولايتك ، وأنفذت خليفتي لخلافتك ، فلا تخله من تبصيرك وهدايتك ، إلى أن يمنّ اللَّه بزيارتك . تهنئة بصرف عن ولاية : لو كانت رياسة سيّدي مجنيّة من عروش الولايات ، وسيادته خارجة عن سانح التصرّفات ، لأشفق أولياؤه من زوالهما بمزايلتهما ، وحذروا من انتقالهما بنقلهما ، لكن ما وسم به من الكمال ، وعلا به من رتب الجلال ، موجود في غريزته وجود الفرند ( 1 ) في السيف المأثور ، واللألاء في النور ، وإذا تصرّف ، أورد اللَّه الرعيّة من مشارعها نطافا ، وأسبغ عليهم من ظلَّها عطافا ، وإذا انصرف فخير مسبل تقلَّص ، وعيش رائع تنغّص ، والأسف على العمل السّليب من حلل سياسته الفاضلة ، العاطل من حلى سيرته العادلة ، ولهذا أصبح - أيده اللَّه - بالعزل مبتهجا مسرورا ، كما كان في الولاية محمودا مشكورا ، وانطلقت ألسنة أوليائه ، في هنائه ، بما وهبه اللَّه من الرّفاهية والدّعة ، وحطَّه عنه من الأثقال المقلقة ، ولا سيّما وقد علم الخاصّ والعامّ أنّ الأعمال إذا ردّت إليه ، وعوّل فيها عليه ، تسلَّم المودع وديعته ، والناشد ضالَّته ، وإذا عدل فيها إلى غيره تناولها

--> ( 1 ) فرند السيف ، بكسر الفاء والراء ، وإفرنده ، بكسر الهمزة والراء : جوهره ووشيه ، والجمع فراند . مختار الصحاح والقاموس المحيط ( فرند ) .